هشام جعيط

341

نشأة المدينة العربية الإسلامية " الكوفة "

لا محالة ، ازدوجت بعوامل ملموسة تماما : تسرب العناصر الأعجمية بالتناضح البطيء ، وتطور السلطة وتطور المجتمع الشامل في علاقاته مع السلطة . فحتى مع العباسيين القريبين جدا من الخراسانيين ، بقي عالم أهل السواد العالم الغريب ، الخاضع ، الأهلي ، المحتقر احتقارا عميقا ، وقد حاصروا المدن بحضورهم القريب جدا ، وأثاروا ردودا دفاعية خيالية صرف . وهكذا فمن الكوفة إلى بغداد مرورا بواسط امتدت الرؤية الحضرية العربية وتحولت في آن . وقد استمرت واسط في بغداد بوضوح . أما بالنسبة للكوفة ، فقد انفصلت بغداد عنها من عدة جوانب ، وتمادت فيها من جوانب أخرى . انفصلت بغداد عن روح الصحراء التي كانت حية جدا في الكوفة ، والتي جعلت منها مدينة مفتوحة - ما عدا فترات الارهاب . وعادت بغداد إلى النموذج الكوفي بواسطة تصور المركز أصلا والمدينة بصفتها مركزا ومساحة سكنية ، لكن مع رفض مركزية الأسواق وهذا يمثل خروجا على التقليد الكوفي والإسلامي معا « 1 » . وأخيرا فقد أثرت على الكوفة رجعا وحثت على ظهور الثنائية الكلاسيكية بين المدينة والأرباض ، وهذه كيفية لمراقبة انفجار النواة الحضرية . كان انفجارا سريعا مذهلا بخصوص بغداد . ولا شك أنه يجب تكريس الفرق الكيفي في هذا الصدد ، القائم بين بغداد والأمصار القديمة بحيث نلحظ تركيزا أقوى لامكانات الإمبراطورية على صعيد أسمى لبناء الحضارة الإسلامية . فبين ضخامة حجم بغداد الكبيرة « 2 » وسامراء ، والحجم المتوسط الذي كانت عليه الكوفة والبصرة ، وبين السرعة الخاطفة للنمو من جهة وبطء التجربة من أخرى ، يتبين الفارق نفسه الذي وجد بين الحاضرة الهلينستية ( الإسكندرية مثلا في عصر بطليموس فيلادلفوس عند عظمة تتويجه ) ، وبين حاضرة يونانية من العصر الكلاسيكي ( أثينا في القرن الخامس ) . لكن عمل احتضان الأمصار الذي استمر وجوده يتراجع طيلة قرن ونصف ، هو الذي قامت عليه حضارة بغداد . والمفارقة في هذا الصدد أن هذه المدينة الحبيسة ، كما كانت في بداية الأمر داخل أسوارها بقرار من السلطة ، قامت بتفجير الأسوار لتصير حاضرة مفتوحة لكل التيارات . في حين أن الأمصار التي كانت مفتوحة بطبيعتها ، زرعت الهوية الثقافية وحفظتها .

--> ( 1 ) أثار لاسنر في هذه النقطة نقاشا مع ماسينيون ، لكن مركزية الأسواق محتملة على مستوى الحاضرة كافة ، انظر : Lassner , op . cit . , pp . 173 ff ( 2 ) في حين كانت المدينة المستديرة تغطي مجالا يقدر ب 453 هكتارا ، وهذا يمثل حسب رأيي أقيسة الكوفة الأولى في العصر الأموي ؛ كانت مجموعة بغداد في خلافة الموفق ( 890 ب . م . ) تقيس 7 كيلومترات في 10 كيلومترات . ويبدو أنها بلغت مساحة تقدر ب 7000 هكتار : . Lassner , op . cit . , pp . 157 , 169 الحقيقة أن الكوفة غطت في العصر ذاته مساحة تقدر ب 75 ، 16 ميلا مربعا ، واشتملت على 80000 دار : ياقوت ، معجم البلدان ، ج 4 ، ص 492 ، وأن حقولها الأثرية التي تعود إلى القرن الثالث الهجري ، كانت عظيمة ( 15 كم * 9 كم ) : الجنابي ، ص 159 . وإني أرى أنه بالغ في توسيعها .